قراءة في فيلم “نباح” سيناريو و إخراج جمال أمين بقلم الباحث والناقد الاكاديمي أحمد جبار العبودي

  • نقد سينمائي
  • 654 views
  • يوليو 30, 2017 | 11:24 م

يتصدى صناع فيلم ” نباح ” لموضوع غاية في الخطورة بدأ يفرض ذاته مؤخراً على حياة الفرد العراقي المهاجر في أوربا ، موضوع يكاد أن يكون مسكوت عنه ، شبه مقموع ، و هو صراع الهويات بين جيلين جيل الآباء ، و جيل الأبناء الذين لا يحملون من هوياتهم المرجعية شيء ، إنه صراع ثقافي – و جودي – لغوي .. الخ .

صراع فرضه المناخ السسيوثقافي الأوربي الذي أولى عناية فائقة في فرض نسق أخلاقي و سلوكي لجيل المهاجرين الشباب ، و هذا المناخ آل إلى محو مبرمج للهوية الثقافية العربية ، عبر غياب تام لكل العادات و التقاليد التي تعلو من سلطة الأب داخل فضاء أسرته ، مما جعل سلطة الأب تقوض تماهياً مع النسق الثقافي التفكيكي الذي دمر كل السرديات الكبرى ، و شكك في أي مركزية يمكنها فرض سلطتها على حرية الفرد الأوربي المعاصر .

هذا هو المدار الفكري الذي سيدور حوله شكل الفيلم للتعبير عن الموقف النقدي لصناع الفيلم عبر قراءة عمودية نهض بها متن حكائي أطره صراع ساكن بين ثلاث شخصيات محورية ، أب ( جمال ) أستاذاً جامعياً مرموقاً يقترب من خريف العمر يعاني من ثلاث أزمات نفسية حادة ، الأولى هو أغترابه من الوسط الجامعي و اختيار العزلة ملاذاً له ، و الأزمة الثانية هي إحساسه القاتم بفقد زوجته ، أما الأزمة المركزية الثالثة و التي شكلت المحور الأساسي للصراع السايكودرامي لجمال مع ولديه ، شابين ( فتاة – وولد ) ، و الصراع نفسي بامتياز لأنه بين عاطفتين متناقضتين ، الأولى إنهم أولاده يحنو عليهم ، و في ذات الوقت يشكلون عبئاً عليه ، يثقلون كاهله عبر تقويضهم لتراتب السلطة ، حيث تبرز هيمنتهم عليه عبر كل تفاصيل حياتهم ، التي يدعنا الخيار الجمالي لسردية الكاميرا بالولوج إلى أعماقهم ، و تصفح دواخلهم ، و الاقتراب الحثيث من أفعالهم اليومية .

و السؤال الأكثر إشكالاً : ماالذي أراد أن يقوله صناع الفيلم عبر تشيد ذلك البناء السردي الذي سنحلل مبناه التتابعي بالتفصيل ؟ إن أي قراءة سريعة للفيلم ستستنطق قول صناع الفيلم ، و غايته الأساسية في نقد تلك المركزية الجديدة التي فرضت ذاتها كسلطة مشوهة داخل أسوار الأسرة ، إنه صرخة مدوية ضد انقلاب التراتب ( الأب / الأبن ) ( الأبن / الأب ) ، صناع الفيلم أرادوا ترسيخ صرخة إحتجاج مدوية على النسق الثقافي الذي آل إلى قلب ذلك التراتب و إعلائه لسلطه الهامش .

و السؤال الآخر الذي فرضه علينا صناع الفيلم ، لماذا وسموا الفيلم ب ” نباح ” ، و كأن الفيلم لوح منذ البداية على إنه بناء كنائي صريح ، و نقد حاد للسلوك الحيواني الذي سيمارسه أحد أقطاب الصراع ، و لهذا أعد حسب تقديري الشخصي بأن عنوان الفيلم كان هو البؤرة الدلالية الكبرى التي أراد صناع الفيلم التعبير عنها.
1. ينفتح السرد الفيلمي على لقطة عامة لحديقة تبدو إنها خلفية ، حيث تقبع خلف منزلٍ متواضع في مدينة أوربية ، الكاميرا يبدو عليها اضطراب بسيط حيث تتمايل يميناً و شمالاً و كأنها وجهة نظر ذاتية لساردٍ لا نراه ، لكنه يعلن لنا عن وجوده ، مصحوب بموسيقى فيها حزن قاتم و عميق .
2. ننتقل إلى داخل منزل جمال ( غرفة أبنه ) حيث يرن هاتفه ، يصحو من نومه ليرد على صديقة له يبدو إنه تأخر عن موعده معها ، و أثناء متابعة الكاميرا المحموله لفعل الرد على الهاتف ، تكشف لنا المكان الذي يعبر عن عبثية الشخصية فالأشياء متناثرة ، و علب المشروبات الغازية ، و الحاسوب الذي يبدو إنه لم يغلق خلال ساعات الليل ، هكذا أثث صناع الفيلم عبر إشتغال عفوي لألة التصوير عن نظام علامي أفصح بحدة و بذكاء عن طبيعة الشخصية عبر هذا التقديم السريع من خلال الفعل ، يرتدي ملابسه على عجل ثم ينادي على والده ليطلب منه إصاله الى مكان الموعد .
3. ننتقل لغرفة والده ( جمال ) ليؤكد الاستجابة السريعة لطلب الأبن ، حيث يرتدي ملابسه .
4. يخرج الولد من غرفته في علية المنزل ، و ينادي على والدة بصوت تبدو الحدة واضحة على نبرته ” بابة .. أنت جاهز ” ، في حين يجيب الأب بنبرة فيها ضعف إنساني ووهن كبيرين ” أي بابة أني جاهز ” ، هنا أسس صانع الفيلم عبر تفعيل الممكنات الدلالية لنبرة أداء الممثل على إنقلاب التراتب السلطوي بين الأب و ابنه ، إضافة إلى موقع الأبن المسيطر في أعلى السلم ، و الأب المسيطر عليه في أسفل السلم ، و هذا مكمن الذكاء في استغلال زمن الأستهلال الفيلمي في التلويح بالفكرة الأساسية للفيلم .
5. يخرج الأب من المنزل متجهاً إلى سيارته ، يتبعه الأبن ، و في لقطة بليغة يفعل من خلالها صانع الفيلم عمق المجال ، حيث نرى في مقدمة الكادر من داخل السيارة لقطة قريبة للأب الذي تبدو على ملامحه سيماء الحزن و الشيخوخة ، و الهم ، و في العمق يحث الخطى الأبن خارجاً من باب المنزل ليلج الى فضاء السيارة ، و يعد هذا المشهد المواجهة الأولى بين الأب و ابنه ، مشهد بسيط لكنه في منتهى العمق لخص من خلاله صناع الفيلم الهوة العميقة بينهما ، و كأنه إحالة دلالية سنتلمس تجلياتها في المشاهد المقبلة ، فلا يمكن أن يحتويهما مكان حميمي كالسيارة ، فبينهما هوة إنسانية عميقة بكل معنى الكلمة ، تستمر الكاميرا بمتابعة الولد حتى جلوسه في السيارة ، و من إيماءات وجهه نتصفح منظوره الشخصي تجاه أبيه فلا يمثل بالنسبة له سوى سائق ليس إلا ، يحاول الأب تشغيل السيارة ، و لكن عبثاً ، لا تشتغل يستاء الأبن بطريقة عجيبة و كأن أبيه هو السبب في هذا الخلل الفجائي ، و يبدأ بالثرثرة التي تعيق آذان الأب ، صوتياً عبر انثيال مصحوب بجرس نبري مزعج ، و ضرب حاد بأصابعه على مقدمة السيارة … مما يستفز الأب و يحطم أعصابه ، يثور الأب ” شبيك .. شبيك ” ضارباً مقود السيارة بقوة و حدة ، يهبط الولد من سيارة أبيه و يركلها بقدمه مع سيل من السباب و اللعنات ، و لا يجد الأب أمام كل هذا الأنثيال إلا أن يقول له ” حقير ” هذا المشهد يكثف عبر فضائه الخانق حدة الحالة الإنفعالية بين الشخصيات ، فالأبن ليس سوى كلب ينبح أبداً صوتياً و جسدياً ، هنا تتمثل الدلالة الكبرى لعنوان الفيلم ، و هكذا سيستمر نباح الشخصيات التي تعلن عن تراجعها الإنساني تجاه سلطة الأب المهمشة بامتياز ، يسير الولد متجهاً صوب عمق الكادر ، هنا تدخل موسيقى غربية صاخبة تصبح خلفية لعنوانات تايتل الفيلم لتشكل رمزاً بين ثقافة جيلين مختلفين أبداً بالذوق ، هكذا قدم لنا صناع الفيلم الشخصيات المحورية ، و جسد لنا الوضعية الأساسية ببساطة عالية اشتغلت فيها الكاميرا كسارد عفوي و كأننا أمام فيلم وثائقي بامتياز ، و هذا التمازج الأسلوبي الذي طبع شكل الفيلم بالكامل سنؤجل الحديث عنه في نهاية البناء التتابعي للفيلم .
6. يجلس الأب وحيداً يكتب خاطرة على حاسوبه ، في فضاء معتم يتسيد فيه اللون الأسود القاتم ، هكذا يتوسل صناع الفيلم بتفعيل حدة الحالة الإنفعالية بين الضوء و الظل للتعبير عن العتمة الداخلية للشخصية ، التي تراقبها الكاميرا باهتزاز بسيط وزاوية مستوى نظر ، و كأنها سارد ينظر لحزنه ببرود كبير ، مع صوته من خارج الكادر ” أعد الأيام على أصابعي ، و عليها أيضاً أعد أصحابي و أحبابي ، و في يومٍ ما لن أعد على أصابعي سوى أصابعي ” مع الجملة الأخيرة ننتقل إلى لقطة قريبة تأكيداً على عجز الشخصية عن الإنسجام الإنساني مع الشخصيات المحيطة به ( أبناؤه ) ، و تعمق الموسيقى من الإحساس العميق باغتراب الشخصية و انكفائها على ذاتها في الطابق الأرضي من المنزل ، و ترك أولاده كل في فضائه الخاص ، المغلق في عليته .
7. يشعر الأب ( جمال ) بإرهاق صحي مفاجئ ، ينادي على ابنته ( هنادي ) دون أي استجابة ، ثم ينادي ( هادي ) دون استجابة أيضاً .
8. فالأبن منشغل في عالمه الخاص حيث المخدرات و العبث مع الصديقات في الفيس بوك ، و الموسيقى الصاخبة ، التي تشكل جواً يعزله بالكامل عن عالم ابيه و اخته .
9. يحاول الأب الاتصال هاتفياً بابنته .. لكنها تتجاهل الاتصال ، و تهمله كما يهمل أي اتصال غير مهم تماماً ، منشغلة بالرقص على انغام أغنية غربية صاخبة ، و هذا المشهد هو الظهور الأول للبنت ( هنادي ) لخص من خلاله صناع الفيلم منظورها تجاه والدها ، إنه لا يمثل بالنسبة لها إلا هامش الإهمال هو الاستحقاق الطبيعي له ، هنا مكمن التكثيف و الإيحاء الذي يمتاز به الفيلم الروائي القصير ، و هذا مكمن التحدي على مستوى الكتابة ، و البحث عن المعالجة الفنية التي من خلالها نقول الكثير عن الشخصية بشريط سينماتوغرافي قصير زمنياً عبر توسل صناع الفيلم بحدث يلخص كيان الشخصية مظهراً و جوهراً .
10. يحاول الأب الاتصال بابنه ، الأبن يستجيب لاتصال ابيه ، يسعفه بكوب ماء . الحقيقة إن هذا الحدث يعد مركزياً في بنية السرد لأنه فجر الممكنات التعبيرية للمكان ، حيث أثث صناع الفيلم المنزل كفضاء جامع للشخصيات الثلاث بالشكل التالي : غرفتين في علية المنزل واحدة للولد و الأخرى للبنت ، و غرفة الأب في الطابق الأرضي ، لقد عبر البناء المعماري للمنزل عن الهوة العميقة بين الشخصيات ، كما إن وجود الأولاد في علية المنزل عمق من الثيمة الفلسفية التي أراد تركيزها صناع الفيلم في أذهاننا ، وهي قلب التراتب ( السلطة للأولاد ) حيث يقبعون في موقع يدل على الهيمنة على الأب ، بل وسحقه إنسانياً و نفسياً ، و هذا بحد ذاته إدانة من قبل صناع الفيلم لميكانزم تصميم العمارة التي تمثل منظور السلطة الإجتماعية في أوربا على تعزيز التشظي الأسري ، فتركيب البنية المعمارية للمنزل يمنع أو يحد من ألفة الشخصيات مع بعضها البعض .
11. و في مقاربة ذكية جداً يخلق المونتاج مقارنة بين فعلين : الأول الأبنة هنادي تتحدث بغنج مع صديق لها على الفيس بوك عبر الكاميرا ، قطع نرى جمال يجلس في حديقة عامة مع صديقة له ، ليعزز حدة المفارقة بين جيلين جيل ألكتروني بامتياز التحول التكنولوجي بلد مشاعره ، و ألغى بينه وبين الآخر حدود الزمان و المكان ، و جيل مازال متشبثاً برومانتيكيته الأولى ، يشكو جمال لصديقته أزمته مع الأولاد ، لكنها تبدو كشخصية معادلاً موضوعياً لشخصيته ، تعلن بشكل مضمر عن عجزها في إيجاد حل لأزمته ، و تنصحه بالعودة إلى الجامعة أو الأنشغال عنهم ، و بهذا يلخص لنا هذا المشهد عقم الحوار الإنساني بين الأبن و أولاده ، يبدو هذا المشهد بعيداً عن جو الفيلم القاتم الذي تسيدت فيه المشاهد الداخلية ، إلا إنه يشكل لحظة إنفراج ولو ضئيلة يتطهر منها جمال من أدران أولاده ، و يعلن لها بشجاعة عن استسلامه فهو من جيل أدمن الهزيمة منذ وقت مبكر من حياته ، فهو من جيل عاصر الحروب و الحصارات و الخسارات التي لا تنتهي .
12. في المطبخ يستغرق جمال بغسل الصحون على أنغام فيروز ، و في علية المنزل يجن جنون بنته لأنها تكتشف إن الإشتراك في الأنترنت قد انتهى ، تهرع و بوقاحة و هستيريا مدمن على التواصل الألكتروني مع الآخر ، توبخ والدها بقسوة شديدة لأنه نسى أو تناسى دفع الاشتراك ، يقف إزائها الأب عاجزاً و مبهوتاً من هذا الفعل الغير إنساني تماماً ، فعل حيواني يشتغل فيه صراخ البنت استعارياً كنباح الكلب ، ينتبه الأبن المستغرق في عالمه ، لصراخ اخته .
13. يهبط الأبن محاولاً مواساة أبيه ، بينما تقبع البنت في غرفتها تبكي بحرقة ، و كأنها نادمة ، وفي مشهدٍ بليغ جداً يجلسان في الحديقة الخارجية للمنزل حيث تجمعهما لقطة عامة من زاوية مستوى النظر ، تحافظ الكاميرا على أسلوبها الذي طبع الفيلم منذ بداية الفيلم حيث حركتها المهتزة و كأنها تعبير عن وجهة نظر ذاتية لمراقب يلفت الإنتباه لذاته ، حيث نرى في مقدمة الكادر جذع شجرة مهمل محترق مسود ، و في عمق الكادر يجلسان ( الأب و ابنه ) إن البناء التشكيلي لهذه اللقطة يعبر بحدة عن الموقف الرمزي الذي أراد صناع الفيلم ترسيخه ، و هذا مكمن البلاغة التي يفجرها صناع الفيلم لإعمال عقل المتلقي ليبحث بنيوياً على العلاقة الدلالية بين الدوال المتجلية في فضاء الصورة ، واستنطاقها للوصول إلى الوضع النفسي المأزوم للشخصية ، هكذا يتوسل صناع الفيلم بالمدركات البصرية للتعبير عن البعد النفسي الغائب ، فالجذع المتفحم مثير إستعاري بامتياز على المزاج القاتم لجمال الذي بكى بحرقة بعد اشتباكه مع بنته ، و انهزامه أمام غطرستها ، و توحشها الإنساني و نباحها بوجهه عبر ثرثرة لسانية و جسدية تفجرت من خلالها ممكنات الأداء التمثيلي الذي أجاد مخرج الفيلم تثويره لدى الممثلة .
14. بعد هذه المواجهة الحادة ننتقل إلى مشهد مواجه صامت يتم فيه تفعل اللقطة القريبة بأقصى مدياتها التعبيرية ، حيث تشتغل سيماء وجوه الممثلين لتعبر بصمت عن الموقف العدائي بين أقطاب الصراع على مائدة الطعام ، حيث نتلمس بحدة من خلال التحولات المونتاجية بين الوجوه الثلاث الصراع الخفي بين الأب و أبنه من جهة ، و الأب و ابنته من جهة أخرى ، كما يتلمس سراً خفياً بينهما ينتظر أن يتفجر أمامه ، كما نتلمس حدة الحالة الإنفعالية بين الأخ و اخته ، و بين الأبن و أبيه .. الخ ليكون هذا المشهد في مجمله بناء استعاري عن الخراب الإنساني بين أفراد العائلة الواحدة ، و يحيلنا هذا المشهد عبر معالجته الفنية التي توسلت باللقطة القريبة إلى الوضع العدائي الذي يطبع المجتمع العراقي الذي تنتمي إليه هذه الأسرة ، ليشكل علامة دالة على إن الإتلاف بين هذه الكيانات البشرية مستحيل فالهوة بينهم تتسع حتى وهم في أشد اللحظات حميمية ، و هنا تتفجر أزمة أخرى بين الأقطاب المتصارعة ، حيث يكشف هادي أمام والده في مواجهة صريحة مع اخته بأنه يعلم بغيابها الدائم عن المدرسة ، و انجرافها في علاقة مع أحدهم ، تحاول تكذيبه ، ولكن عبثاً ، لذا تلجأ إلى الأسلوب المضاد في كشف إدمانه ، هكذا يتعرى الأبناء أمام أبيهم في أداء تمثيلي على مستوى عالٍ من التلقائية والعفوية والصدق في تجسيد المشاعر .
15. ويختتم الفيلم باشتباك هادي و هنادي أمام أبيهم عبر صراخ و ثرثرة خاوية لا تنتهي سببها استحواذ هنادي على علبة شراب الريد بل العائدة لهادي ، يستمر الاشتباك و بقوة أم الأب المستغرق في قراءة كتابه ، يحاول إسكاتهم عبر قذف كل ممتلكاته المعرفية المتمثلة بالكتب ، كإحالة مباشرة على عجز كل هذه المدونات على تكوين شخصية قوية مؤهلة لاحتواء أبنائها ، لا يحصل على أي استجابه فالصراخ في تزايد و الأشتباك بالأيدي قائم دون حساب لوجوده ، فلا يمكنه تذكيرهم بوجوده إلا عبر ذلك الفعل الاستسلامي المتمثل بالبكاء المر كفعل يواجه به هذا النباح المقيت ، يتوسل بالبكاء فعلاً يمكنه من خلاله ردم الهوة بينه و بين أولاده ، حيث تمت معالجة هذا المشهد فنياً عبر تفعيل عمق المجال مرة أخرى حيث يتسيد الأبناء في صراعهم الجسدي في مقدمة الكادر ، و الأب يقبع في العمق عاجزاً عن فهم و حل هذا النزاع بين أثنين أعلنوا عن تراجعهم الإنساني .
من خلال القراءة المتأنية لهذا التتابع الفيلمي نجد إن تركيب البنية الدرامية ظل أفقياً و في تقديري الشخصي إن البناء الأفقي لهذه البنية جاء تعميقاً لشخصية الأب المستسلم أبداً للاإنسانية أبنائه ، فعلى مدار السرد أصر صناع الفيلم على خلق شخصية غير درامية إطلاقاً شخصية عاجزة عن المواجهة ، شخصية تنظر بحنو لأبنائها الذين استغلوا هذا الحنو و أعلنوا سلطتهم التي لا خيار للأب سوى الإنصياع لها و القبول بالتراتب الجديد الذي فرضه المزاج الإجتماعي في أوربا كما أسلفنا ، و من خلال لقاء الأب مع ابنه ، بعد مشادته مع البنت ، أعلن الأب بأن الأستسلام خيار على وعي تام به فالأب يجب أن يقدم كل التنازلات الممكنة للحفاظ على كينونة الأسرة و منعها من التيه في غياهب الإنفلات التام .
أما على مستوى إستراتيجية تركيب الزمن ، فقد كان شكل البناء السردي تتابعياً ، لا يحمل في تضاعيفه حضوراً للذاكرة التي تكسر السرد و تعود به إلى الماضي ، فماضي الشخصيات ( الولد – البنت ) المسببة لمحنة الشخصية المحورية لا يشكل أهمية دراماتيكية بالنسبة لمتن الفيلم ، فالإشكالية معهم بدأت مع نضجهم ، الصراع بدأت تجلياته الأن ، و لهذا نجد إن التركيز على الحاضر زمناً يمثل نقطة البدء باشتباك الشخصيات ، و تحول مصير الشخصية المحورية إلى شقاء أبدي ساعده في ذلك التحولات التكنولوجية التي جعلت الشاب الأوربي المعاصر ينفلت من أي أسر ، كما إن المزاج الإجتماعي و النسق الثقافي يشكل محرضاً للفرد على الإنفلات من أي سلطه ، و البناء السردي مهما يكن نسقه لا بد من أن يتوسل بسارد يشييد معماره ، و الحقيقة إن صناع الفيلم توسلوا بالكاميرا كسارد عليم بكل شيء قادر على الإقتراب الحثيث من الشخصيات خاصة في مشاهد المواجهة بينهم ، و قادر على أن يتموضع بهيئة شاهد على الحدث عبر تأمله بملاحظة طويلة فجر من خلالها ممكنات التشكيل البصري خاصة عن طريق تفعيل عمق المجال ، و مراهنته على إعمال عقل المتلقي على البحث في العلاقات بين الدوال المدركة و البحث عن كل إحالاتها السايكودرامية ، و ما يجعلنا أمام اشتغال فريد للكاميرا كسارد عليم بكل شيء هو قدرة هذا السارد ( الكاميرا ) على أن يكون حرباء يبدل مواقعه و يغير وجهات نظره عبر تحولات التوليف ، و تشبثه بالحركة الطفيفية التي يكاد اضطرابها أن يكون غير محسوس بأننا أمام سارد يلفت الإنتباه لذاته عبر حضوره في قلب الحدث ، متمسكاً بحياديته في انتقاء زوايا تصوير منقادة للأحتمال الفيزيائي ، و يحاول أبداً أن يكون بمستوى النظر ، و الحقيقة إن هذا الإشتغال التعبيري لآلة التصوير من الناحية السردية يفصح بحدة عن السيرة الجمالية لصناع الفيلم و يحيلنا بشكل مباشر على إنفتاحهم على كشوفات السرد في الإتجاهات السينمائية المعاصرة التي برزت في سينما الدول الأسكندنافية ، فنجد شكل الفيلم يتعالق عبر إيقاعه المتأمل في مناقشة موضوع الفيلم بأفلام برغمان ، وولوجه إلى أعماق الذات الإنسانية و الكشف عن محنتها الوجودية عبر جو نفسي قاتم يثير السأم و الملل ، كما إن التقشف الواعي بتفعيل وسائل التعبير السينمائية ، و التشبث الدائم عبر مدار السرد الفيلمي على تجسيد المتخيل في أماكن حقيقية ، و بكاميرا حرة تذكرنا أبداً بقواعد العفة التي أعلن عنها صناع أفلام الدوغما 95 ، و بهذا نكون أمام تجربة سينمائية تعلن عن فرادتها فكرياً عبر البحث في المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية لحياة المهاجرين العراقيين في أوربا و اغترابهم الأبدي و ضياع هويتهم الوطنية و الأخلاقية و الثقافية ، و على المستوى الجمالي أثبت صناع الفيلم إنهم على وعي تام بتعبيرية الوسيط السينمائي المتحرر من قيود الأدب و المسرح عبر شفراته الخاصة التي لا تشبه إلا ذاتها ، أما على مستوى الأداء التمثيلي فقد كنا إزاء ممثلون قادرون على تجسيد شخصياتهم المركبة و المحملة بمحمولات نفسية معقدة جداً بتلقائية نفتقدها في تجارب الكثير من صناع السينما في العراق ، أما الصوت فقد كان له حضوراً بليغاً فقد اشتغلت الموسيقى للتجسيم المحنة الوجودية التي يعاني منها جمال الشخصية المحورية ، أما الحوار فقد حمل في تضاعيفه كل المضمرات النفسية للشخصيات ، في حالات كثيرة نجدة يومياً متداولاً لكنه قادراً على أن يحيلنا إلى منظور الشخصيات تجاه بعضها البعض ، إضافة إلى المونولوجات التي كان جمال يرددها مع ذاته كشفت لنا البعد الثقافي المقموع لشخصيته ، كونه بعداً فشل في خلق كيان قادر على المحافظة على سلطته كأب داخل أسوار أسرته .