صباح الانباري وتجنيس المسرحيات الصوامت أدبيا

  • احدث الاخبار الفنيةاخبار الفن العراقياخبار المسرحاخبار المسرح العربي و العالميمسرحمقالات
  • 639 views
  • مايو 11, 2017 | 4:26 م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد العليم البناء

منذ عرفته ، كان الانباري صباح ، متنوعا ومجددا في عطائه الابداعي ، فخاض بدراية وتمكن وحرفنة في عوالم ، الشعر ، والمسرح ، والسرد الروائي ، والنقد الأدبي ،والتصوير الفوتوغرافي ،وانطوى حراكه الابداعي ،اذا جاز التعبير، على الكثير الكثير ، وقد مارس الاخراج المسرحي وله اسهاماته الواضحة ، منذ خطوته الاولى حين ساهم عام 1974 ، مساعدا للمخرج العراقي الكبير سامي عبد الحميد ، في مسرحية (مهاجر بريسبان) ،التي كتبها العربي المغترب جورج شحادة ، لتترى تجاربه في اخراج مسرحيات عدة ، لفرقة بعقوبة للتمثيل ، نسبة الى مدينة بعقوبة العراقية ،التي ولد فيها عام 1954، وكذا الكتابة للمسرح عبر نصوص متنوعة الاشكال والمضامين، ومن ثم النقد المسرحي والادبي عبر اصدارات مختلفة ، بلغت السبعة عشر اصدارا داخل وخارج العراق.

وهنا يكمن بيت القصيد ، دون ان نتوسع في التطرق الى باقي منجزه الإبداعي، إذ عمل الانباري على مغايرة مقصودة ،في تجنيس المسرحيات الصامتة (البانتومايم) ، التي خاض غمارها بقصدية واضحة ،بتفعيل نوع جديد من (المسرحيات الصوامت) التي ابدعها وجمعها في مجلد اول ، تحت عنوان (المجموعة المسرحية الكاملة ) ،التي صدرت في بيروت عن منشورات ضفاف ،بدعم من الهيئة العربية للمسرح التي اعتادت على دعم وطباعة ، العديد من المشاريع والدراسات والنصوص المسرحية ، بهدف ترصين وإشاعة الثقافة المسرحية عربيا.

الأنباري الذي يعتقد أن الإنسان يعقل بصريا أكثر مما يعقل سمعيا ، لم يقدم لنا عبر كتابه هذا مجموعة نصوص مسرحياته الصامتة حسب ، وانما حاول أن يؤسس لهذا النوع من المسرحيات ، بتنظير متكامل لها ولطبيعتها وجوهرها واسلوبها المختلف الى حد بعيد، عن النص المسرحي التقليدي او الكلاسيكي ، عبر فصلين كان أولهما قد مثل الجانب التنظيري ، الذي أشرنا اليه في كسر لقاعدة التقديم أو المقدمة التي يلجأ ،البعض من الكتاب مسرحيين وشعراء وقاصين ، عبرها الى تصدير مجاميعهم بها ، فجاء تحت عنوان واضح (المسرحيات الصوامت وأسسها النظرية والتطبيقية ).

في هذا الفصل يبتديء الانباري بالحديث عن رؤيته ، تجاه (المسرحيات الصوامت من الفعل الى التجنيس) ، حيث يلج الى التعريف بالاسباب التي دعته الى تجنيس هذا النوع أدبيا ، كما هو الحال مع المسرحيات الحوارية الصائتة – كفن درامي – عبر العصور ، وأن تصبح فرعا من فروع الادب العربي والعالمي ، نظرا لامتلاك الأخيرة قدرة لاتدانيها قدرات الفنون الأخرى ، في المزاوجة بين الفن والادب ، حيث يؤكد أن ” نص العرض الصامت إن وجد ،فإنه يركز على جملة من التوجيهات تعنى بحركة الممثل ، وترسم مخططا لها في كل لحظة من لحظات الفعل على الخشبة “.

وبما ان البانتومايم يحتاج الى الفعل لا القول ، وان هذا الفعل يحتاج الى دالات توضع في سياقات خاصة، لتؤدي الى مدلولات ذات معان محددة ومقصودة ، بعيدا عن بضعة افعال حركية بهلوانية ، لتتعدى ذلك الى تضمنها قصة وحبكة وموضوعة وشخوصا ، كلها تؤدي دورا مهما متضامنا مع الموضوعة الانسانية للعرض والنص ،وهذا هو الذي يرى انه قد ، ” أهلها لتكون قابلة للقراءة كخطاب ادبي ، فضلا عن كونها جنسا فنيا يعمل على زحزحة الاجناس الأخرى، ليحتل رقعة واسعة ومتميزة”.

وبعد ان يستعرض مجموعة من الرؤى والمؤشرات ، التي تعرف بالمدى التاريخي والنظري والتطبيقي للنصوص الصامتة ، التي على الرغم من تنحيته الكلمات عنها مستبعدا اللغة المنطوقة ،لكنه يرى أنها مع ذلك احتفظت بجاهزيتها للقراءة ، منذ يتيمة صموئيل بكيت (فصل بل كلمات)، التي لم يفكر حينها بتجنيسها كمادة للقراءة الأدبية ، يشير الانباري الى أن انشغاله بهذه النصوص ، جاء نتيجة عدم قدرة الاجناس الخرى على استيعاب شبكة احلامه الواسعة ، وهذا ما يؤكده الناقد المسرحي العراقي بلاسم الضاحي ، حين يؤكد أن الانباري بدأ ” بأدواته الصامتة محاولا تجنيس ما انتجه ضمن جنس (الادب المسرحي) ، المقروء ادبا والمرئي مسرحا ، مازجا مستفيدا من أجواء الفنون الأخرى ” حيث يرى ان هذه المحاولات في مزج الفنون بعضها ببعض ، خلقت منتجا جديدا تشترك فيه اللوحة والكلمة المرئية والموسيقى والحركة ، حيث سمات التشابه ونقاط التلاقي في هذه الفنون ، خلق منها الانباري منتجا جديدا ، هدفه اثارة المتلقي جماليا وابداعيا .

الانباري الذي بات يعد الرائد للمنتج الجديد المسرحية الصامتة المجنسة ادبيا ، يرى وعلى وفق ما كتب ونشر منها وعرض على خشبة المسرح ، يستند على أسس اشتغالها على التشكيل الصوري ، وتضمنها قصة او حكاية تراثية او معاصرة، واعتمادها على خطة اخراجية مرنة ، ممكنة التنفيذ على الورق والخشبة في آن واحد ، وعدم انغلاقها على مخططها الاخراجي ، وانفتاحها ومخاطبتها للعالم بلغة كونية دون وساطة الترجمة والنقل ، لاعتمادها على لغة الجسد ، موضحا كل التفاصيل والمزايا الخاصة بالنص المسرحي الصامت ، منذ يتيمة بكيت والى عام 1994 ، وهو العام الذي نشر فيه اول نصوصه الصامتة (طقوس صامتة) في جريدة الثورة العراقية.

لهذه الأسباب عمل الانباري بجد ودأب – كما يرى – كي تحصد (الصوامت ) ، ثمرة جهد متواضع في تجنيس فن البانتومايم ، تجنيسا ادبيا يجعله قابلا للقراءة كنص ادبي على الورق ،وكعرض درامي على الخشبة ، وهنا يورد الانباري ما كتبه الناقد والروائي العراقي سعد محمد رحيم ،عن قدرة (الصوامت ) القرائية هذه ، كما لذة قراءة الرواية والنص المسرحي الحواري الصائت ، والذي رأى ان الانباري منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي ، انشغل كما الشعراء والقاصين والروائيين ، تحت هاجس التحديث لابداع نص مختلف ، اشتغل ونصب عينه جنس ادبي مختلف ،له قرابة مع الشعر والقصة والسيناريو السينمائي ناهيك عن المسرح.

اما الفصل الثاني فقد تضمن نصوص المسرحيات الصامتة ، التي شملت ثلاث مجموعات هي على التوالي : (طقوس صامتة) ، و(ارتحالات في ملكوت الصمت) ، و(والصمت اذا نطق) ، ليختم بأقوال واراء مجموعة من المعنيين بالمسرح ،عراقيين وعربا ، بتجربة رائد المسرحية الصامتة ومبدعها، الكاتب والاديب صباح الانباري.